ابراهيم بن عمر البقاعي
560
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما علم الحال من هذا ومما في أول السورة ، أتبعه التصريح بما أفاده مجموعا أحسن جمع مصورا أحسن تصوير فقال تعالى : إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ أي الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ متعمدين لقتالكم كائنين فِي الدِّينِ ليس شيء من ذلك خارجا عنه ، لتكون العداوة في اللّه وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أي بأنفسهم لبغضكم وَظاهَرُوا أي عاونوا غيرهم عَلى إِخْراجِكُمْ ولما تناول هذا المقصودين صريحا ، وكان النهي الذي موضعه الأفعال قد علق بأعيانهم تأكيدا له ، عرف بالمقصود بقوله : أَنْ أي إنما ينهاكم عن المذكورين في أن تَوَلَّوْهُمْ أي تكلفوا فطركم الأولى أن تفعلوا معهم جميع ما يفعله القريب الحميم الشفيق فتصرحوا بأنهم أولياؤكم وتناصروهم ولو كان ذلك على أدنى الوجوه - بما أشار إليه إسقاط التاء . ولما كان التقدير : فمن أطاع فأولئك هم المفلحون ، عطف عليه قوله : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ أي يكلف نفسه الحمل على غير ما يدعو إليه الفطرة الأولى من المنابذة ، وأطلق ولم يقيد ب « منكم » ليعم المهاجرين وغيرهم والمؤمنين وغيرهم : فَأُولئِكَ أي الذين أبعدوا عن العدل هُمُ أي خاصة لا غيرهم العريقون في أنهم الظَّالِمُونَ * أي العريقون في إيقاع الأشياء في غير مواضعها كمن يمشي في مأخذ الاشتقاق بسبب هذا التولي . ولما كان نزول هذه الآيات الماضية في الفتح الأعظم حين قصد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سنة ثمان المسير بجنود اللّه إلى مكة المشرفة - شرفها اللّه تعالى - لدخولها عليهم بالسيف حين نقضوا بقتالهم لخزاعة الذين كانوا قد تحيزوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فكانوا في عقده وعهده في صلح الحديبية الذي كان سنة ست على وضع الحرب بينهم وبين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن دخل في عقده ، وكان من ذلك الصلح أن من جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قريش ومن دخل في صلحهم رده إليهم وإن كان مسلما ، ومن جاءهم ممن كان مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يردوه إليه بحيث قام من ذلك وقعد كثير من الصحابة رضي اللّه عنهم من أعظمهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حتى سكنه الصديق رضي اللّه تعالى عنه بما وقر في صدره من الحكم ، ورد إليهم صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بصير رضي اللّه عنه ، وكان رده إليهم للوفاء بالعهد بسبب التصديق لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « أما من جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل اللّه له فرجا ومخرجا » « 1 » وقصته في ذلك كله مشهورة ، وكانت « من » من صيغ العموم ، وكانت دلالة العام قطعية
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 2711 و 2712 و 2731 و 2732 وأحمد 4 / 328 وابن حبان 4872 من حديث المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم في خبر صلح الحديبية المطول ، وهذا طرحه .